الشيخ محمد آصف المحسني
189
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
وأمّا قوله تعالى : ( وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) « 1 » فلا يدلّ على اهتدائهم بالهداية المذكورة لتوسّط اختيار المكلّف بينهما ، ألا ترى أنّ الله تعالى هدى ثمود لكنّهم استحبوا العمى على الهدى ؟ وقد مرّ تفصيل ذلك في الجزء الثاني في المقالة الثامنة من القاعدة الخامسة في المقصد الخامس . 5 - السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ « 2 » . أقول : والحقّ أنّ الآية الكريمة تدلّ على عدالة المهاجرين والأنصار السابقين الأولين ، أي السابقين إلى الإيمان بالله وبرسوله الأولين « 3 » ؛ فإنّ الله أخبر بأنّه راضِ عنهم ، وقد أخبر أيضاً بأنّه لا يرضى عن القوم الفاسقين . وهذا - إن شاء الله - ظاهر . فلا بدّ من الإقرار بعدالة هؤلاء إلّا من ثبت كفره أو ارتداده ، فنخرجه منهم جمعاً بين الأدلّة . قال الله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ « 4 » . وأمّا المهاجرون والأنصار من غير السابقين الأوّلين فحالهم حال سائر الناس في توقّف حسنحالهم على إحراز اتّباعهم الحسن . 6 - قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 5 » . أقول : لا شكّ في حسن حال كلّ مهاجر وأنصاري اتّصف بتلك الصفات ، ولكن أين هذا من عدالة جميع المهاجرين والأنصار ، بل جميع الأصحاب ؟ ولا دلالة في الآية الكريمة على أنّ
--> ( 1 ) - الفتح 48 / 20 . ( 2 ) - التوبة 9 / 100 . ( 3 ) - لكن يشكل الأمر بفرارهم عن الحرب يوم حنين وهو من الكبائر ، فتأمّل . ( 4 ) - البقرة 2 / 217 . ( 5 ) - الحشر 59 / 8 - 10 .